القائمة الرئيسية

الصفحات

الصلاة | هكذا تبت.. قصتي مع الالتزام بالصلاة

    
الصلاة | هكذا تبت.. قصتي مع الالتزام بالصلاة

الصلاة | هكذا تبت.. قصتي مع الالتزام بالصلاة

   نشأت في المسجد ومدرسته القرآنية.. منذ المرحلة الابتدائية وأنا ألزمه، أحفظ القرآن الكريم في المدرسة، أصلي الجمعة فيه، بل وأذهب باكرا إليه كي ألتقي صديقاتي ونلعب أو ندردش ونستظهر لبعضنا البعض ما حفظناه من القرآن الكريم.. في رمضان، كنت وأختي نصلي المغرب معا ويؤمّنا أبي.. لكن.. لم أكن من المصلين!!
غريب نوعا ما لكنها الحقيقة..
لم أكن أصلي طيلة الأسبوع، حتى إذا جاء يوم الجمعة صليت صلاة الصبح ثم ذهبت إلى المسجد لألتقي صديقاتي ونصلي الجمعة معا.. لم أكن مواظبة على الصلاة في رمضان، حتى إذا اقترب المغرب صليت الظهر والعصر لأصلي المغرب خلف أبي..
استمر معي هذا لأشهر، وربما لسنوات، كنت خلالها أشعر بالانزعاج من نفسي، من هذا التلاعب بعماد الدين الذي لا يجب أن نتهاون فيه.. كنت كل مرة أتحمس فأقرر أن ألتزم بصلاتي لكنني لا ألبث أن أشعر بأنها ثقيلة علي إذا ما سمعت الأذان، أراوغ، أتكاسل فأتركها للصلاة التالية، "سأتوب في الغد وأنطلق انطلاقة صحيحة وألتزم بها دون أي تقصير" أردد هذا في داخلي لأسكت ضميري وأنام بسلام..

     

    ذات السيناريو كان يتكرر كل يوم طبعا إلى أن صرت أفكر بشكل أكثر جدية لإيجاد حل:

جربت في البداية فكرة يمكن أن أسميها "أكون منهم": رسمت دائرة كبيرة في ورقة وعلقت الورقة أمام مكتبي الصغير، تخيلت أن تلك الدائرة تضم المصلين، كلما صليت رسمت علامة خضراء داخلها لأشعر بأنني منهم ولست نشازا، وكلما تركت الصلاة وضعت علامة حمراء خارجها لأشعر بالخوف من تلك الوحدة وأنا أرى نفسي خارج السرب الجميل.. كانت الفكرة ناجعة إلى حد كبير فقد كنت أشعر بالفرح والإنجاز عندما اكون داخل الدائرة، وأشعر بالحزن عندما أكون خارجها فأتشجع وأحاول في المرة القادمة.. لكن للأسف لم يستمر ذلك طويلا فقد كان شعوري بالإحباط تجاه نفسي يهزمني فأركن مجددا وأتوقف عن المحاولة..

***

 أذكر إشهارا كان منتشرا جدا على قنوات التلفاز، كان الفتى يفتح قارورة الكوكاكولا فيتوقف كل شيء حوله فجأة عن الحركة وكأنه ضغط على زر ال pause، ثم إذا انتهى من شربها عادت الحياة والأحداث حوله إلى الحركة كأنه ضغط زر play.. كنت أحب جدا فكرة الإشهار تلك، ولأنني كنت حالمة جدا سبيستونية العصبونات فقد اشتهيت أن أجرب في الواقع ضغط زر pause ما ليتوقف كل شيء حولي ثم ضغط زر play ما لتعود الحركة.. ههههه مضحك لكنني فعلا جربتها! صنعت بالورق مربعين سميكين رسمت عليهما علامتي ال pause  وال play، ألصقت كلا منهما بنابض صنعته بالورق ثم قمت بتثبيتهما على مكتبي الصغير.. كلما سمعت الأذان ركضت لأضغط على زر الpause بمتعة غامرة وتخيلت بأن كل شيء توقف حولي وذهبت لاصلي، ثم إذا فرغت من الصلاة ركضت بمتعة أيضا لأضغط زر ال play وأتخيل أن الحياة عادت للحركة.. ههههه كانت لعبة ممتعة جدا، ساعدتني على الالتزام بالصلاة لفترة ما، لكن للأسف لم أنجح في المواظبة وفشلت أيضا..

***

 كنا في المسجد نستمع إلى الدروس من الإمام والمرشدة وندردش مع فتيات شابات من بنات الجيران أو المتطوعات لتعليم الأحاديث وإقامة الأنشطة في المسجد، نشأت فينا معانٍ دينيةٌ جميلة كتمني دخول الجنة والنجاة من النار، التنافس في الأعمال الصالحة وجمع الحسنات، التفوق في حفظ القرآن الكريم.. وكانت في شلة صديقاتي صديقة رائعة لا تكتفي بالفرائض فقط بل تكثر من النوافل أيضا –ما شاء الله عليها-، كنا نتفق على الالتقاء في المسجد يوم الجمعة باكرا كي نصلي معا صلاة الضحى وصلاة التسبيح (استطرادا: لست متأكدة من ورود صلاة التسبيح في السُّنة) كنت أحيانا عندما أتعب من تسويفي ووضعيتي مع الصلاة أذكر نفسي بالجنة، بالتنافس، بأن أسابق وأسبق، أتذكر صديقتي تلك فأتشجع.. لكن كسلي كان يغلبني في معظم الأحيان..    

 

    استمر معي الحال بين أخذ ورد، سقوط ونهوض، نجاح وفشل، مواظبة وتضييع.. إلى أن أتى ذلك اليوم.. ذلك اليوم المبارك!!

     الأول من محرم، في السنة الثالثة متوسط ربما، فتحت عينيّ صباحا وبدأت أبكي تحت غطائي، لازلت أذكر تلك الدموع! حدّثت الله تعالى بحرقة، أخبرته بأنني كرهت مما أفعل، شعرت لأول مرة ربما بأنني قوية ومسؤولة و"قد كلامي" الذي أقوله! أخبرته بأنني تبت ولن أعود إلى ذلك التقصير.. أعلنت توبتي لله بصمت على فراشي! كم كانت لحظات رائعة، لحظات فتح رباني لم أفهم سره!
من وقتها وأنا أواظب على صلاتي، كانت إحدى صديقاتي تسكن في المتوسطة التي أدرس بها واثنتان أخريان قريبتين لأستاذتين هناك، كنا إذا لم ندرس مساء جلسنا نلعب الكرة في الحديقة خلف الأقسام، حتى إذا أذن العصر توقفت عن اللعب، ذهبت إلى مكان لا يراني فيه أحد - كنت قد تحجبت – وتوضأت وصليت في الهواء الطلق والعشب يحيط بي..
 

من وقتها صرت إذا أذن وكنت في شغل ما تركت كل ما بيدي دون نقاش وتوضأت لأصلي ثم عدت إلى انشغالي، صرت إذا سمعت الأذان حرصت على أن لا تسبقني أختي للصلاة، بل كنت أحرص على أن لا يسبقني أحد من أهل الحي أو أي أحد سمع معي نفس الأذان لأنني أتخيله يسبقني خطوة إلى الجنة، لذا كنت أتوضأ قبل دخول الوقت حتى إذا انتهى الأذان كبرت مباشرة وفزت بالسباق ههههه حماس الشباب..

منذ ذلك الوقت صرت إذا أذن الفجر قمت من سريري دون سابق إنذار لا أستمع إلى ترهات الشيطان ولا أعطي الفرصة لذهني ليفكر فيما يراوده من مراوغات بل أردد دعاء الاستيقاظ من النوم وأقوم بحزم لأتوضأ وأصلي..

صرت إذا سمعت الأذان وسط المحاضرة في الجامعة استأذنت الأستاذ وخرجت لأصلي ثم عدت. حتى أنني أذكر موقفا طريفا حدث معي يوم طرح الاستاذ علينا سؤالا صعبا ولم يرفع أحد يده ليجيب، ومن المصادفة أن سمعت أذان العصر فرفعت يدي وسط صمت والتفات جميع من بالمدرج، ظن الأستاذ بأن طالبا ذكيا شجاعا سيجيب أخيرا فقلت له "أستاذ معليش نخرج نصلي؟" ههههههه  أذكر ملامح الإحباط في وجهه وضحك زملائي وضحكي أيضا. ذكره الله بخير لم يكن يمانع أن أخرج للصلاة..

منذ ذلك الوقت، صرت إذا سمعت الأذان في المكتبة العمومية أغلقت حاسوبي وأوراقي وكتبي وأخرجت سجادتي وفرشتها في مكان منعزل وصليت لا أكترث بأحد، ثم عدت إلى الدراسة رغم أن المديرة وبختني ذات يوم عندما اقترحت عليها ببراءة أن نخصص مكان ما كمصلى داخل المكتبة وأصدرت أوامرها بمنع الصلاة..  

 

    لعلكم مررتم بما مررت به في البداية، تعرفون جيدا تلك الجرعات الساذجة التي نحاول بها أن نخدر ضمائرنا ونقنع أنفسنا، بينما لو سمينا الأمور بمسمياتها بصراحة فما نفعله هو محاولة لخداع الله تعالى وكأن تلك الوعود السخيفة ستمر وسيصدقنا الله الذي يعلم السر وأخفى!!
في الواقع، لو جلسنا جلسة صدق مع أنفسنا فسنعترف بأننا نراوغ، سنعترف بأننا نعرف بأننا نكذب، تماما كفكرة "أنا علابالي بلي علابالك وأنت علابالك بلي علابالي" هههههه. ولو جلسنا جلسة تأمل فسندرك بأن من نحاول خداعه وإقناعه بحججنا السخيفة ليس بحاجة لصلاتنا كلها على بعضها، سندرك بأننا لابد أن نصلي لمصلحتنا فقط..

تدري؟ إلى الآن لا أعرف كيف تحولت من فتاة كسولة تسوف الصلاة وتراوغ بشدة لسنوات إلى فتاة لا تعرف أحدا إذا سمعت الأذان كأن الصلاة صارت أمرا تلقائيا بديهيا لا يُناقش! أقلب صفحات ذاكرتي فلا أجد علامة واضحة تنبئ بأنني كنت سألتزم بصلاتي!! لكن عندما فكرت في الأمر أدركت أنه متعلق بالله، بالفتح الرباني على عبده عندما يقدم بين يديه صدقا وسعيا ومحاولة حتى لو كان كثير السقوط.. أدركت بأن سر المحافظة على الصلاة - أو تحقيق أي شيء جميل- هو أن لا تكف عن المحاولة مهما كنت وكيفما كان حالك مع الله.. عندها، حتى لو لم تُبلِّغك محاولاتُك من الوصول سيحملك الله اللطيف المقبِل على عباده بضعفك وكل معطياتك من النقطة البعيدة التي أنت فيها أووووووب ليضعك على خط الوصول الذي كنت تريده.     

ربما تعبتَ من نفسك وكثرة إخلافك لوعودك بأنك ستلتزم، ربما تعبت من تحمل شعور ثقل الصلاة عليك، الأمر ليس سهلا والله تعالى يعلم ذلك ويراعيه، فقط ابق محاولا وانتبه للصحبة التي تلزمها واصبر ما استطعت، سيأتي يوم تصبح الصلاة فيه مجلسك الحلو، سيأتي يوم تستمتع فيه بقدرتك على قيادة نفسك إذا ما سمعت الأذان، سيأتي يوم إذا شعرت فيه بالفزع أو الضيق لجأت إلى الصلاة بنفسك لأنها تريحك.. ابق محاولا مهما كان وكيفما كان وما تحوسش تفهم.

 نقلك شيء؟ خذ هذه الهدية تمعن فيها: ((وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ)) 

 

 



تعليقات

تجول بسهولة.. فهرس المقال🌹