القائمة الرئيسية

الصفحات

ِالتعامل مع الألم النفسي 3 | الصبر من زاوية أخرى

ِالتعامل مع الألم النفسي 3 | الصبر من زاوية أخرى

ِالتعامل مع الألم النفسي 3 | الصبر من زاوية أخرى

        في وقت سابق كنت أفكر باستمرار في قصة الاحتمالات الممكنة التي يمكننا تبنيها تجاه المصاعب والألم النفسي، هل هناك خيارات أخرى عدا الصبر؟ وما مدى نجاعتها؟ بعبارة أخرى، عندما أكون في تجربة متعبة ما، مشكلة أو أي كان، إذا لم أصبر ماذا سيحدث؟ هل ستحل الأمور بشكل أفضل أم أن الصبر هو الخيار الأمثل؟ لحظة، ماهو الصبر؟؟

 

        جميل أن أسوق مفهوم الصبر قبل أن أنتقل إلى قصة الاحتمالات هذه إذ لا يمكن أن أغفل عن تأثير تصحيح فهمي للصبر على تعاملي مع الأحداث: سابقا كنت أظن بأن الصبر هو تحمل الألم، "عض على جرحك واسكت"، فهم أقرب إلى الدروشة، يوحي بنوع من المسكنة والضعف، لكن عندما تابعت ما قاله الدكتور أحمد خيري العمري عنه وصححت فهمي له حدثت ثورة في شخصيتي وصرت أكثر قوة من أي وقت مضى: الصبر لا يعني أن نتحمل الألم فقط، بل الصبر تحمل للألم وتعايش ذكي معه، بعبارة أخرى الصبر تقبل للألم وتحمل لوخزه مع السعي نحو التقدم إلى الأمام.. نعم سعي رغم الألم، استمرار نحو القمة رغم زيادة الضغط ورغم نقص نسبة الأكسجين ورغم الجاذبية التي تشدنا إلى أسفل، نهوض من كل سقطة رغم الجراح والكسور، استمرار في السير رغم الرياح الشديدة التي تعيدنا إلى الوراء.. الصبر بهذا المفهوم سيصبح محركا هائلا يُخرج من الإنسان روعته الكامنة فيه، يكسبه طاقة هائلة تجعله أقوى من أي تجربة مؤلمة قد يمر بها، بل يرفعه إلى مصاف العظماء إذ لا يعيشُ حيًّا رغم وجودِ الألمِ سوى عظيمٌ..

 

حسنا، لنعد إلى الاحتمالات: كنت أذهب بفكري إلى تخيل الطرق ونهاياتها وطولها وما يمكن أن يحدث فيها، أتخيلني أمام مفترق طرق، طريق اسمه الصبر وطريق اسمه الجزع وعلي أن أختار أحدهما وأسير عليه.. الاختيار لا يمكن أن يكون وفق لعبة "شادي بادي قالي راسي نخير هادي ولا هادي"، لابد أن أكون واعية بالطريق الذي أختار، إلى أين سيقودني؟ هل سيفيدني فعلا؟

 

في كل تجربة كنت أمر بها كنت أجد الجزع أمرا متعبا جدا لنفسية الانسان بالرغم من أنه الخيار الأسهل، ذلك أنه يجعله عبدا للغضب أو القلق ويفقده السيطرة على ردود افعاله وتصرفاته ولا شيء أبشع على الانسان من أن يكون عبدا فاقدا لحريته وسيادته على نفسه.. ذلك الاستعباد أشبه بطريق جانبي مليء بالأشواك لا يجني الانسان منه سوى إطالة الطريق واستغراق وقت أطول في الوصول إلى النهاية دون الحديث عن خلقه مشاعرَ نفسيةً سيئة تزيد الانسان تعبا إلى تعبه وتستنزف منه طاقته لإصلاح نفسيته وإعادتها إلى الحالة التي كانت عليها قبل الجزع.. هذا الطريق ليس سوى انحدار بالانسان إلى مستوى ما دون الصفر سيجد الانسان نفسه فيما بعد مجبرا على العودة بنفسه إلى الصفر على الأقل، إلى مفترق الطرق واختيار الطريق الآخر: الصبر. 

 

لن أتحدث عن الصبر بمنطق الموعظة التي تخاطب العاطفة لتحبب الإنسان في أمر شرعي جميل بل سأتحدث عنه كحل واقعي بمنطق المجرب، ولأكون أكثر وضوحا في كلامي سأضرب مثالا: توفي جدي -رحمه الله- قبل سنوات، كانت المرة الأولى التي أجلس فيها أمام ميت من أهلي، كانت ردة فعلي في البداية باردة ربما بسبب الصدمة أو ربما لإدراكي بأن الموت حق وحدوثه ليس أمرا خارقا للعادة، لكن لم يطل الأمر حتى بدأ الصداع يعصف بي وبدأ الشعور بالألم الرهيب يجتاحني.. كنت وقتها أفكر في كيفية التخفيف من هذا الالم الرهيب.. كيف لي أن أخرج تلك ال "آه" العظيمة من داخلي؟ ماذا لو صرخت؟ لكن الصراخ على الميت أمر سيء.. حسنا فلأفترض أنني صرخت، كيف سيكون المسار؟ من المؤكد أنني سأسخط وأشعر بالرغبة في لوم الله على قبضه نفس جدي هذا إن لم أتفوه بذلك، ثم من المؤكد أن ألمي سيزداد لأن ذلك اللوم سيجعلني غير متقبلة للأمر كأنني أريد للأحداث أن تتغير تماما، كأنني أرى أن التخلص من الألم مرهون بذلك، بتغير الأحداث، ولأن قضاء الله تعالى قد وقع وتغير الأحداث أمر مستحيل فسأشعر باليأس، بالعجز عن التخلص من ألمي فأتألم أكثر.. لو اتبعت طريق السخط سيزداد ألمي.. حسنا، ماذا لو أفرغت كتلة الألم العظيمة تلك بطريقة أخرى؟ بطريقة لا تغضب الله؟ أليس هو العالم بأنفسنا وتفاعلاتها وسبل التخفيف عنها؟ شيء من الثقة في اختيارات الله يعني.. حسنا سأختار الصبر:

 

كنت أبكي بشدة دون أن عويل مرددة بعض الأذكار لأثبت، كان ذلك يعطيني جرعات من الرضا ويجعل دموعي أكثر رحمة ورفقا بنفسي، كنت أشعر بأن ذلك البكاء -وإن كان بسبب الألم- يخفف عني، وجدت بأن خيار الصبر أكثر رفقا، أكثر رحمة وأكثر ملاءمة لي كإنسان، أكثر توافقا مع فرطتنا التي جُبِلت على الحرية، على أن نتحكم في زمامنا ونقود أنفسنا بدل أن نقع رهائن ردود الأفعال فنفلت الحبل ونفقد السيطرة على أحصنتنا.. كان اختيار الصبر يشعرني بالأمان، بالطمأنينة رغم كل شيء لأن أموري تحت السيطرة، يشعرني بالقوة لأنني رغم هذا الألم الرهيب ثابتة ولا يثبت وسط العاصفة إلا قوي.. كان شعور الطمأنينة ذاك يمنحني مساحة لأتعامل مع نفسي بحكمة أثناء تلك المحنة، لا أقمع حزني بل أعيشه لكن دون انهيار، لا أقمع دموعي بل أبكي بحرقة لكن دون عويل وسخط، لا أنكر تعبي بل أريح نفسي لكن دون استكانة أو استسلام أمام اليأس.. 

 

    في الواقع قد جربت الأمرين: الجزع والصبر، وفي نهاية بعض التجارب التي جزعت فيها وجدتني قد نلت ما اردته في البداية، كأنني لم أكسب شيئا سوى الخجل من الله تعالى بجزعي، أو كما قلت ذات يوم لقريبتي "ربحت غير العيب مع ربي سبحانو" ههههه. لقد أدركت بأن الصبر أقصر طريق نحو العافية وأن الجزع ليس سوى إطالة لذلك الطريق ولن يؤدي بنا إلا إلى نهاية مسدودة تجبرنا على العودة إلى نقطة البداية واختيار الصبر في النهاية.. ما تربحوش العيب 😁

 

♥♥♥

هضمت الفكرة؟ تعال إلى القاعدة الرابعة إذن 😊 وإن لم تكن قد اطلعت على القاعدة الثانية فاطلع عليها من هنا

♥♥♥

 

إن لم تكن قد استمعت إلى التسجيل القصير الذي أشرت إليه في المقال السابق والذي اسميته "نعمة الألم" فاستمع إليه من هنا، أظنه سيكون ملهما لك ♥


اطلب مقالا حصريا عن تطوير الذات

أعجبك المقال؟ بإمكانك طلب مقال إبداعي حصري عن تطوير الذات والتعامل مع التحديات من هنا

قم بالتسجيل في موقع خمسات واستفد من خدماته المميزة، ستجدني هناك لمساعدتك ^_^


تعليقات

تجول بسهولة.. فهرس المقال🌹